أحمد بن محمود السيواسي
239
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
أي من يخالف النبي ( مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى ) أي التوحيد بعد وضوح الدليل ( وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ) وهو الكفر ، لأن سبيل المؤمنين هو التوحيد والإسلام ( نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى ) أي نجعله واليا متصرفا لما تولاه ، أي لما مال إليه وأحبه من الكفر والضلالة في الدنيا بأن نخذله ونخلي بينه وبين ما اختاره إلى يوم القيامة ( وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ) أي ندخله في الآخرة نار جهنم ( وَساءَتْ مَصِيراً ) [ 115 ] أي مرجعا هي ، فيه دليل على أن الإجماع حجة ، لا يجوز مخالفته كما لا يجوز مخالفة الكتاب والسنة ، لأنه جمع بين مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين في الشرط والجزاء ، قرئ نوله ونصله بجزم الهاء وكسرها « 1 » . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 116 ] إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً ( 116 ) قوله ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ) أي الإشراك باللّه ( وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ ) من المعاصي ( لِمَنْ يَشاءُ ) نزل في شأن الوحشي كما ذكرنا من قبل « 2 » ، وقيل : نزل في شيخ أعرابي جاء إلى الرسول ، فقال : يا رسول اللّه ! إني شيخ منهمك في الذنوب والخطايا إلى أني لم أشرك باللّه شيئا مذ عرفته وآمنت به ، وإني لنادم مستغفر ، فما حالي عند اللّه ؟ فقرأ الآية « 3 » ، ثم قال ( وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ ) شيئا ( فَقَدْ ضَلَّ ) عن الهدى والحق ( ضَلالًا بَعِيداً ) [ 116 ] أي بعدت غايته عن كل خير ، فلا يرجى له الفلاح . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 117 ] إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً ( 117 ) قوله ( إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً ) جمع أنثى ، نزل في ذم كفار مكة وإظهار جهلهم « 4 » ، أي هم ما يعبدون من دون اللّه إلا أصناما مسماة بأسماء الإناث كاللات والعزى ومناة ( وَإِنْ يَدْعُونَ ) أي وما يعبدون بعبادة الأصنام ( إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً ) [ 117 ] أي خارجا عن طاعة اللّه أو المراد إبليس . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 118 ] لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ( 118 ) ( لَعَنَهُ اللَّهُ ) أي طرده من رحمته حيث لم يسجد لآدم ، قيل : كان في كل صنم لهم شيطان يكلم خدامهم فكأنهم عبدوا الشيطان بعبادة الأصنام « 5 » ، وقيل : إبليس زين لهم عبادة الأصنام فكأنهم عبدوه « 6 » ( وَقالَ ) أي الشيطان حين لعنه اللّه ( لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ) [ 118 ] أي طائفة مقطوعا تعينهم يطيعوني لا لك ، قيل : كل ما أطيع فيه إبليس فهو من مفروضه « 7 » ، وقال الحسن : « من كل ألف واحد في الجنة وسائرهم في النار وهو النصيب المفروض للشيطان » « 8 » . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 119 ] وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً ( 119 ) وقال أيضا ( وَلَأُضِلَّنَّهُمْ ) عن الهدى بالتزيين « 9 » والوسوسة ( وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ ) أي ألقى في قلوبهم ما يتمنون من الأهواء الباطلة كطول العمر وبلوغ الأمل ووصول رحمة للمذنبين بغير توبة والخروج من النار بالشفاعة وغيرها أو بلا جنة ولا نار « 10 » ( وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ) أي ليقطعن ( آذانَ الْأَنْعامِ ) لأنهم كانوا يشقون أذن الناقة
--> ( 1 ) « نوله » و « نصله » : قرأ قالون ويعقوب وهشام بخلف عنه بكسر الهاء من غير صلة ، وقرأ البصري وشعبة وحمزة وأبو جعفر باسكانها ، والباقون بكسرها مع الصلة ، وهو الوجه الثاني لهشام . البدور الزاهرة ، 85 . ( 2 ) أخذه عن السمرقندي ، 1 / 389 . ( 3 ) عن الضحاك ، انظر السمرقندي ، 1 / 389 ؛ والبغوي ، 2 / 157 - 158 . ( 4 ) أخذه المصنف عن البغوي ، 2 / 158 . ( 5 ) اختصره المفسر من السمرقندي ، 1 / 389 ؛ والبغوي ، 2 / 158 . ( 6 ) نقل المؤلف هذا الرأي عن السمرقندي ، 1 / 389 . ( 7 ) أخذه المؤلف عن البغوي ، 2 / 159 . ( 8 ) انظر السمرقندي ، 1 / 389 . ( 9 ) بالتزيين ، ب س : بالتزين ، م . ( 10 ) ولا نار ، ب س : ولا نار ولا بعث ، م .